حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

288

شاهنامه ( الشاهنامه )

المدام حتى حالفوا ليلهم المنام . فارتاح لما سمع واستحضر رؤوس الأجناد ، وذكر لهم ما ابتلى به من الإيرانيين وتسلطهم عليه ، وقال : الرأي أن نهتبل الليلة غرتهم وندوسهم بحوافر الخيل ، ونبيتهم عند ركوب الصباح أعجاز الليل . فاختار منهم خمسين ألف فارس ممن نجذتهم الحروب وضرّستهم الخطوب ، ووجههم لذلك . فلما قربوا من معكسر الإيرانيين خرج عليهم رستم . من أحد الجانبين ، وخرج إليهم طوس من الجانب الآخر ، وتلقاهم الملك بالفيلة فيمن معه . فوضعوا فيهم السيف فلم يسمع غير صليل الصوارم فوق الجماجم ، وشهيق اللهاذم في الصدور واللهازم . حتى لم يفلت منهم من العشرة إلا واحد . فانزعج أفراسياب واضطرب ، وقال لأصحابه : الرأي أن تزحف إليهم ونصدمهم صدمة واحدة فإما مُلك وإما هُلك . فارتفعت أصوات الكوسات والطبول من الجانبين ، والتقى الجمعان ، والتحم القتال في مسافة ثلاثة فراسخ . قال : فتلاطمت أمواج الدماء في ذلك الفضاء . فثارت ريح عاصف لم يسمع بمثلها فكانت تحفر التراب وترميه في وجوه التورانيين وتستلب لشدّتها البيض من رؤوسهم . فعند ذلك حمل ذلك الملك كيخسرو مع رستم حملة صادقة أدرجت أكثرهم تحت القتل والأسر . فقطع أفراسياب عند ذلك رجاءه ، وثنى عنانه مع ألف فارس من أقاربه وخواصه ، وترك بقية عسكره بين أشداق المنون . وأخذ في بعض عوادل الطرق سالكا طريق البرّية . ثم إن بقايا التورانيين لما فقدوا الراية السوداء من القلب ، وعلموا بهرب أفراسياب طلبوا الأمان من الملك كيخسرو ، ورموا الأسلحة . فعطف عليهم وآمنهم وأحسن إليهم . ورجع إلى مخيمه فاعتزل من المعسكر ، وخلا بنفسه في مكان خال ، ومثل قائما بين يدي ربه عز وجل يحمده ويدعوه ويشكره على ما أسدى اليه وأنعم به عليه ، من أوّل الليل إلى أن طلعت الشمس . ثم رجع إلى المعسكر ، وأمر بدفن من قتل من الإيرانيين وجمع الغنائم وتفريقها على العسكر . ورجع إلى مدينة كنك فأقام بها . إرسال بغبور ملك الصين هداياه إلى الملك كيخسرو واعتذاره منه فجاءته رسل بغبور ملك الصين بالهداياه والتحف مستأمنا متعذرا عما صدر منه من إمداد أفراسياب ، ومتنصلا عن ذلك . فقيل الملك هداياه وآمنه وقال للرسول : قل لبغبور لا ترق ماء وجهك عندنا ، ولا تمكن أفراسياب من الاعتضاد بك والالتجاء إليك . فرجع الرسول إلى بغبور وبلغه ما قال ، فأنفذ إلى أفراسياب وقال له : تباعد عن ممالك الصين ، ولا تقربن هذا الإقليم . عبور أفراسياب وجيشه بحر زره فخاب عند ذلك ظنه ، وهام على وجهه إلى أن وصل إلى جبل اسبروز ، ورجع منه سائرا